مسار الرقمنة في الجزائر: من قيود الأرشفة الكلاسيكية إلى أفق صنع القرار الاستراتيجي

     تواجه الجزائر في المرحلة الراهنة تحولاً إدارياً
مفصلياً، مدفوعاً بإرادة سياسية عليا وتعليمات
صارمة من رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون
لضرورة الإسراع في إتمام مسار رقمنة الإدارة ،
مع تحديد سقف عاجل لنهاية سنة 2026.   
        ورغم هذا الزخم السياسي الكبير، تواجه مختلف
ورشات الرقمنة على المستوى الوطني تحديات
ميدانية متفاوتة؛ فبينما تسجل قطاعات حيوية مثل
العدالة، التربية، التعليم العالي، والداخلية خطوات
متقدمة وواضحة، تبرز تعثرات في بعض المفاصل
الحساسة كقطاع المالية أساسا في الشق
المرتبط بالصفقات العمومية و مصالح الرقابة
الميزانياتية و الخزينة …و الذي يعتبر مفصل الاقتصاد الوطني .

الفهم الشائع للرقمنة: أين تقف الممارسة اليومية؟

   في المفهوم الإداري الشائع حالياً، غالباً ما تُختزل “الرقمنة” في مظاهرها التقنية المباشرة، والتي تتمثل في 
  النسخ الرقمي: تحويل الأرشيف والوثائق الورقية التقليدية إلى صيغ رقمية،
   الخدمات عن بعد : اعتماد الوثائق عبر شبكة الإنترنت وتفعيل المنصات الحكومية الرقمية في المعاملات اليومية،
    الخدمة العمومية الرقمية: تقليص التنقل البيروقراطي واعتماد البوابات الرسمية كقناة أساسية لتلبية احتياجات المواطن.
    غير أن هذه الممارسة تصطدم أحياناً بواقع ميداني مركب؛ فكثيراً ما تعالت شكاوى المواطنين من أن الخدمة باتت أكثر إرهاقاً وبطئاً في بعض الأحيان، نتيجة التناقض بين الخطاب الرقمي والإصرار البيروقراطي على استكمال الملفات بنسخ ورقية تقليدية، مما ينزع عن الرقمنة صفتها المسهلة ويدخلها في متاهة الازدواجية الإدارية.

  • شح أو غياب خوادم مركزية وطنية قوية ومؤمنة تحتضن البيانات الضخمة داخل الجزائر.
  • ضعف الجاهزية التكنولوجية للأجهزة والعتاد المكتبي بما يواكب المتطلبات الرقمية الحديثة.
  • الاعتماد أحياناً على برمجيات قديمة أو غير مرخصة (مقلدة)، عوض الاستثمار في تطوير برمجيات رسمية سيادية ومحدثة تضمن استمرارية وآمان الأنظمة.

العقبات الهيكلية : هل البنية التحتية جاهزة ؟

     لا يمكن الحديث عن رقمنة حقيقية وفعالة بمعزل عن توفير مقوماتها التقنية الصلبة،حيث تتلخص أبرز الاختلالات  في غياب أو نقص البنية الأساسية الحقيقية لتجسيد رقمنة دائمة و آمنة و محمية ، ويتجلى ذلك بوضوح في:

  • شح أو غياب خوادم مركزية وطنية قوية ومؤمنة تحتضن البيانات الضخمة داخل الجزائر.
  • ضعف الجاهزية التكنولوجية للأجهزة والعتاد المكتبي بما يواكب المتطلبات الرقمية الحديثة.
  • الاعتماد أحياناً على برمجيات قديمة أو غير مرخصة (مقلدة)، عوض الاستثمار في تطوير برمجيات رسمية سيادية ومحدثة تضمن استمرارية وآمان الأنظمة.

العنصر الأساسي: الرقمنة كرؤية استراتيجية لصنع القرار

    بعيداً عن اختزال الرقمنة في كونها مجرد أداة لتخفيف طوابير الانتظار، أو وسيلة لعصرنة الأرشيف وتقديم الخدمات اليومية البسيطة للمواطن، فإن جوهرها الحقيقي يكمن في كونها العقل المدبر والرافعة الأساسية لاتخاذ القرار الاقتصادي والإداري.
   إن الانتقال بالرقمنة من مستواها الإجرائي البسيط إلى مستواها الاستراتيجي يعني بالأساس:
       استغلال الاحصائيات الدقيقة: تحويل تدفق البيانات اليومية إلى مؤشرات وقواعد بيانات محللة تمنح المسؤولين صورة حقيقية وآنية عن وضعية القطاعات.
      الاستشراف المستقبلي: القدرة على قراءة الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية والتنبؤ بالأزمات أو الاحتياجات قبل وقوعها.
        عقلنة القرار: الانتقال من سياسة التسيير بردود الأفعال والقرارات الارتجالية أو العاطفية المبنية على التقديرات الظرفية، إلى اتخاذ قرارات دقيقة، عقلانية، ومبنية على معطيات واقعية مضبوطة بالأرقام.

و في الأخير

فإن نجاح معركة الرقمنة في الجزائر بآفاق 2026 لا يرتبط فقط بتوفير منصة إلكترونية هنا أو هناك، ولا بفرض آجال زمنية فحسب، بل يتطلب أولاً تطهير البنية التحتية التقنية، وتوحيد الرؤية الإدارية لتكون الرقمنة أداة شفافة وناجعة، لا سيما في ترشيد السياسات العامة وبناء قرار إستراتيجي سليم يخدم التنمية المستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top